ابن ميثم البحراني
56
شرح نهج البلاغة
اللَّه تعالى أطلق الأبد على وجوده مجازا للمبالغة في الدوام وكان أحدهما هو بعينه الآخر كقولهم : أنت الطلاق . للمبالغة في البينونة . الثالث والعشرون : وأنت المنتهى فلا محيص عنك . الرابع والعشرون : وأنت الموعد فلا منجا منك إلَّا إليك : أمّا أنّه تعالى المنتهى والموعد فلقوله تعالى « وأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى » ( 1 ) وقوله « إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً » والمنتهى في كلامه عليه السّلام الغاية ، وقد سبق بيان أنّه تعالى غاية الكلّ ومرجعه وأمّا أنّه لا معدل عنه ولا ملجأ منه إلَّا إليه فإشارة إلى ضرورة لقائه كقوله تعالى « وظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ الله إِلَّا إِلَيْهِ » . الخامس والعشرون : بيدك ناصية كلّ دابّة أي في ملكك وتحت تصريف قدرتك كقوله تعالى « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها » ( 2 ) وإنّما خصّت الناصية لحكم الوهم بأنّه تعالى في جهة فوق فيكون أخذه بالناصية ، ولأنّها أشرف ما في الدابّة فسلطانه تعالى على الأشرف يستلزم القهر والغلبة وتمام القدرة . السادس والعشرون : وإليك مصير كلّ نسمة وقد سبق أنّه تعالى منتهى الكلّ ، وإليه مصيره . وقوله : سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك . إلى آخره . تنزيه وتقديس للَّه تعالى عن أحكام الأوهام على صفاته بشبهيّة مدركاتها وتعجّب في معرض التمجيد من عظم ما يشاهد من مخلوقاته كأطباق الأفلاك والعناصر وما يتركَّب عنها ، ثمّ من حقارة هذه العظمة بالقياس إلى ما تعبّره العقول من مقدوراته وما يمكن في كمال قدرته من الممكنات الغير المتناهية ، وظاهر أنّ نسبة الموجود إلى الممكن في العظم والكثرة يستلزم حقارته وصغره ، ثمّ من هول ما وصلت إليه العقول من عظمة ملكوته ، ثمّ من حقارته بالقياس إلى ما غاب عنها وحجبت عن إدراكه بأستار القدرة وحجب العزّة من الملأ الأعلى وسكَّان حظائر القدس وحال العالم العلوي ، ثمّ من سبوغ نعمة اللَّه تعالى على عباده في الدنيا وحقارة
--> ( 1 ) 53 - 33 ( 2 ) 11 - 59 .